كنت مشاغبا.. ولازلت
«مقالات بعضها لم ينشر من قبل»،
هو عنوان كتابي الذي أصدرته و سيكون قريبا في جميع المكتبات
أبرز ما لاحظته خلال فترة الثورة المصرية ، أن قضايا الفساد الضخمة و استغلال النفوذ كانت محمية بقوانين وتشريعات و قرارات تسمح بممارسات تخالف كل قواعد العدالة ، وهو تصرف تقوم به هذه الحكومات لإضفاء شرعية باطلة على كل هذه التصرفات .
ومع إجراء مقارنة بسيطة ، تبين لي أننا في الكويت لسنا بغائبين عن هذا الأسلوب في الإدارة سواء كانت لدى السلطة التنفيذية أو التشريعية و نكتفي هنا ببيان مثالين عما نقوله لكل سلطة .
أولا" : السلطة التشريعية : تنص المادة (95) من الدستور الكويتي على أنه : " يفصل مجلس الأمة في صحة انتخاب أعضائه و لا يعتبر الانتخاب باطلا" إلا بأغلبية الأعضاء الذي يتألف منهم المجلس ، ويجوز بقانون أن يعهد بهذا الاختصاص إلي جهة قضائية " ، وهذا يعني ببساطة شديدة أن المجلس سيد قراره كما كان الحال في مجلس الشعب المصري ، والذي تم تعديل الدستور المصري مؤخرا" بما يخالف ذلك ، ورغم أن المشرع الدستوري الكويتي قد أجاز في الفقرة الأخيرة من المادة سالفة الذكر أن يعهد بصحة عضوية الأعضاء إلي جهة قضائية إلا أنه و للأسف الشديد لم يتم التصدي لذلك حتى الآن مما يجعل الطعن بعضوية أي نائب من قبل الشعب أو أي من أفراده مستحيلا" كما حدث معي شخصيا" حين لجأت للقضاء لإنهاء عضوية من يجمع بين عضوية أو رئاسة مجلس إدارة شركة وعضوية المجلس ، وقد أصدرت المحكمة المختصة حكمها بعدم الاختصاص بإعتبار أنها مسئولية المجلس ، وذلك فإن المطلوب هو نزع هذه السلطة من المجلس الذي يجامل أعضائه بعضهم بعضا" و إعطائها إلي جهة قضائية محايدة إذا أردنا أن نخطو الخطوة الأولى لإصلاح المؤسسة البرلمانية .
ثانيا" : السلطة التنفيذية : تنص المادة الثانية من قانون لجنة المناقصات المركزية أنه : " لا يجوز للوزارات و الإدارات الحكومية أن تستورد أو تكلف بأعمال إلا من خلال لجنة المناقصات المركزية واستثناء من ذلك يحق لهذه الجهات التعامل المباشر لما لا يزيد عن خمسة آلاف دينار فماذا حدث لهذا القانون ؟ حسنا" لقد أصدر مجلس الوزراء قرارا" منسوبا" للمجلس الأعلى للبترول في 7 سبتمبر 2005 و هو أدنى مرتبة من قانون لجنة المناقصات ، و يقضي هذا القرار الخطيئة بأنه يجوز لوزارة النفط ومؤسساتها التابعة لها أن تتعاقد مباشرة مع أية جهة دون المرور على لجنة المناقصات العامة ليس في حدود الخمسة آلاف دينار التي ذكرناها و إنما أن لا يتجاوز المبلغ خمسة ملايين دينار و نكرر خمسة ملايين دينار بدلا" من خمسة آلاف دينار !! وذلك في القرار رقم 1/2005 الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 7/9/2005 .
وحين نستمع إلي أرقام خطة التنمية الملياريه لا نملك إلا الرجاء بأن يتصدى من يهمه الأمر – إن اهتم – و مجلس الأمة لإرجاع الأمور إلي نصابها فهذا القرار يخالف قانون أعلى منه درجة ، وكل التصرفات التي بنيت عليه باطلة بطلانا" مطلقا" لتعلقها بالنظام العام ، ومع ذلك لم نسمع أحدا" يتصدى لهذا القرار أو أن يوجه سؤالا" إلي وزير النفط ليسأله على الأقل عن عدد العقود أو المناقصات أو الممارسات أو أوامر الشراء المباشرة التي قامت بها الوزارة و مؤسساتها بعد إصدار هذا القرار الخطيئة .
ما قلناه مثالين فقط يبينان مدى شرعنه الفساد و تقنينه ، وأولى الخطوات في رأيي للإصلاح لا تكون بالصراخ البرلماني بل في التصدي لإساءة التشريع واستغلاله .
أقوما أقول ، فهل أجد من يسمع ؟
صلاح الهاشم salhashem@yahoo.com
ساحات الإرادة و الصفاة في الكويت ، ميدان التحرير في مصر ، ساحة القصبة في تونس ، دوار اللؤلؤة في البحرين ، ساحة الحرية في اليمن ، دوار محمد الخامس في المغرب ـ أصبحت هذه الأسماء أشهر من عواصمها ، واختفت ملامح هذه الساحات و الميادين بالحشود الهائلة التي غطتها بأجسادها حينا" وبدماء أفرادها أحيانا" أكثر ، وأصبحت هذه الميادين وكأنها ترحب بزوارها وتعتب عليهم لتأخرهم و تراخيهم و تكاسلهم ، ومع ذلك فهي ميادين رحيمة بأهلها ومتسامحة معهم ، احتضنت كل من أتى إليها ونام على أرضها ، ودق وتدا" لخيمة في ترابها ، أو صخرها ، جميلة هذه الميادين ، وازداد تألقها حين تراصّت الصفوف بها ، وحين أصبحت عنوانا" لمن يقيم عليها و يتردد ، وحميمة ، فهي لم تضق بالمعارك التي دارت عليها ، ولا بالحفريات التي أحدثت فيها لإستخراج سلاح الجماهير الأزلي و الحجري ، ولم تعتب تلك الميادين إلا على رموز السلطة و اللباس الكاكي العسكري الكريه حين أخذ يقذف حممه ومياهه ورصاصه على هذا الميدان المسالم .
كم أتمنى أن أزور هذه الميادين بعد انقشاع ما حدث ويحدث ، وكم يسعدني أن أزرع شتلة ورد ياسمين وشجرة زيتون ونخله صغيرة في كل ميدان فيها ، وكم يحلو لي محادثتها و الهمس في صدرها عن تقديرنا لها واحترامنا لكل مكوناتها ، فهي ساكنة ، شامخة ، صامدة ، تراقب بعين دامعة حينا" و ابتسامة جذلى حينا آخر ما يقوم به أبناؤها ، وأبناؤهم وأحفادهم ، وكم هي سعيدة وهي ترقب تاريخا" يكتب ، وعهدا" يبدأ وشعوبا" عرفت مقدار قوتها حين تتحرك ، فاستجاب لهم فراعنة الأرض وطواغيتها
و المجد لك أيتها الميادين العربية ، وكل ما أخشاه أن تعود هذه الميادين للإهمال و النسيان ، وأن لا تستذكر إلا حين تضيق بأهلها السبل .
ومع ذلك ألا يكفي أن تكون هذه الميادين و الساحات دوما" أمامنا ؟ تبسط لنا يدها ، و ترنو إلينا بعين حانية لعل وعسى أن نعيد لها بعضا" مما قدمته إلينا . .
صلاح الهاشم salhashem@yahoo.com