الخميس، 29 يناير، 2009

حيـن تغيـب الحكـومـة ... عـن البـرلمــان

غياب الحكومة أو تغييبها لا يقتصر فقط على كونها آخر من يعلم في القرارات السيادية ، و هي قصة لها قصة أخرى ، و لكن الموضوع الساخن الآن هو مدى دستورية و قانونية عقد جلسات مجلس الأمة دون الحضور أو التمثيل الحكومي وفقا" لمفردات الدستور .

و قبل الدخول في متاهة النصوص و ألفاظ المواد يتعين لكل قارئ أو مهتم حسن النية النظر إلي الدستور كوحدة واحدة لا تتجزأ و بعضه يكمل بعضه ، و أن تكون الأهداف السامية و النوايا الرائعة للآباء المؤسسين نصب عينه حين يبدأ في تحليل و موازنة المواد الدستورية .

تلك مقدمة لازمة لم نجد منها فكاكا" لتسطيرها في البداية لتكون أساسا" للبحث .
و للتدليل على ما نقول بضرورة أخذ الدستور كوحدة واحدة لا تتجزأ لنستذكر معا" نص المادة (121) من الدستور التي تنص على أنه : " لا يجوز لعضو مجلس الأمة أثناء مدة عضويته أن يعين في مجلس إدارة شركة أو يسهم في التزامات تعقدها الحكومة أو المؤسسات العامة " ، و هذه المادة كان القصد منها النأي بالنائب من الخضوع لتأثير المال أو المركز التجاري أو أن يستغل منصبه للتربح ، و لكن من أسف أتت اللجنة التشريعية في مجلس الأمة القبل الماضي بتخريجة بأن المشرع لم يمنع الانتخاب في هذه الشركات بل التعيين رغم أن العلة واحدة و الشبهات موجودة في الحالتين و لكنه لعب بالألفاظ لتبرير مخالفة دستورية ، و ها نحن نرى العديد من أعضاء مجلس الأمة أعضاء أو رؤساء إدارات شركات تصطدم مصالحها و تتقاطع مع عضو البرلمان .

و بذات السياق أخذت الحكومة بالألفاظ و المعاني و ليس الأهداف و المعاني حين اعتبرت حضورها جملة أو فردا" أساسا" لإنعقاد الجلسات البرلمانية في مخالفة صارخة و واضحة لنص المادة (97) التي تنص على أنه : " يشترط لصحة اجتماع مجلس الأمة حضور أكثر من نصف أعضائه و تصدر القرارات بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين .." و لما كانت المادة مطلقة دون تحديد ، و المطلق يؤخذ على إطلاقه و في عملية حسابية بسيطة فإن عدد أعضاء المجلس المنتخبين هو خمسون عضوا" و الحكومة ستة عشر وزيرا" أعضاء في المجلس بحكم الوظيفة ( مادة 80) و بدخول وزير واحد على الأقل يصبح عدد العدد الإجمالي لأعضاء المجلس نواب و وزراء هو (64) عضوا" و تكون الأغلبية المطلقة لصحة الحضور هي (33) عضوا" لم تشترط المادة ضرورة وجود الوزراء بصفاتهم فيها ، و بالتالي فإن الحكومة أو بعض النواب يبررون عدم صحة الإنعقاد بأن المادة (116) من الدستور و في عجزها الأخير أوردت أنه : " .. يجب أن تمثل الوزارة في جلسات المجلس برئيسها أو ببعض أعضائها " .
و هو قول مردود لسببين :
الأول : لم يورد المشرع الدستوري جزاء أو عقابا" على عدم حضور الوزراء أو بعضهم للجلسة ،فقد أورد لفظه " يجب " ثم سكت عن بيان أو جزاء عدم تنفيذ هذا الوجوب سواء بالبطلان أو العدم ، و بالتالي فإننا أمام نص دستوري له قوة إلزام معنوية أو أدبية و لكنها ليست أبدا" دستورية للحضور لسماع رأيهم كما ورد في صدر ذات المادة ، فالحضور هو لإتاحة الفرص للوزراء لإبداء الرأي ، و لكن إذا أعطاك المشرع الدستوري هذه الرخصة و هذا الحق الوجوبي ، ثم قمت بصفتك الحكومية بإهدار هذا الحق و عدم احترامه و الإستفادة منه ، فالخاسر و المتضرر يجب أن يكون من قام بهذا الفعل لا مجلس الأمة الذي يمثل الأمة بأكملها .
ثانيا : هذه واحدة و الثانية ، أن الإدعاء بوجود عرف مكمل أو منشئ أو مفسرا" لا يجب أن يخالف قواعد عامة أو مبادئ دستورية فإنه إذا اختلف البعض حول العرف ، سقطت الحماية القانونية لهذا العرف فما فائدة عرف اختلف أطرافه في تعريفه ؟!

أسوأ ما في الأمر هو غياب أو تغييب اللجنة التشريعية و القانونية في مجلس الأمة لتفسر هذه الموضوع ، و كم كنت أتمنى أن تصدر اللجنة قرارها لصحة انعقاد الجلسات البرلمانية بدون حضور الحكومة ، و أن يصّوت عليه في المجلس بإعتبار المجلس سيد قراراته ، و لكنني حين رأيت الأغلبية البرلمانية التي تؤيد الرأي الحكومي بضرورة وجود الحكومة – اقتنعت تماما" بأهمية اللجوء للمحكمة الدستورية حتي لا يصبح قرار المجلس حبلا" يخنق به الأعضاء أنفسهم .
ثم فقط و من باب المجادلة الفكرية فإن المشرع الدستوري أباح لمجلس الأمة حين حله و عدم إجراء انتخابات خلال شهرين أو يجتمع فورا" و يسترد كامل سلطاته الدستورية كأن الحل لم يكن و إذا افترضنا أن حكومة الحل ترفض حضور هذه الجلسات هل يعني ذلك في ذهن البعض تعطيل مجلس الأمة عن ممارسة دوره ؟ ، و هل هذا بالفعل ما كان يدور في ذهن الآباء المؤسسون و من ضمن الرؤية الدستورية الكاملة للدستور و مواده ؟
سؤال نطرحه لعلنا نجد له جوابا" من نوائب المجلس الحالي .

صلاح الهاشم
salhashem@yahoo.com

هناك تعليق واحد:

  1. السكوت علامة الرضا.. اي ان استطاعت الحكومة ان تحيد اللجنة التشريعية والقانونية عن حسم هذا الموضوع.. وانا استغرب من النواب الذين يعلون صيحاتهم في الصحافة، لماذا لا يلومون اللجنة التشريعية كما تفضلت؟ لماذا الضرب في الحكومة انها غير مهتمة وانها لا تحضر الجلسات.. الخ

    كأمثال فيصل المسلم ومسلم البراك.

    هل فاتتهم مهمة اللجنة التشريعية؟ ام ان "التصيد" على الحكومة بالفاضي والمليان اصبح تجارة ومكسب؟

    علينا ان نضع الاصبع على الجرح، ونوجه اصبع الاتهام للجنة لتحسم امرها كما تفضلت.. لا ان نلعب باوراق خريفية لمكاسب عاطفية لنثت اننا.. معارضة وضد الحكومة!

    شكرا جزيلا على توضيح نقطة تفسير عدم حضور الحكومة الجلسات.

    ردحذف