الأحد، 29 يناير، 2012

في ذكراك يا دستور..

حين تقام احتفالية لشيء ما، في وقت ما، ولسبب ما، يتعين أن يكون هذا الشيء يحظى بالاحترام، والتبجيل، والانصياع له، وحين نسمع ونشاهد احتفالية الحكومة «الرشيدة» بمرور 50 عاما على الدستور، نصدق أو يراد لنا تصديق أن هذه الحكومات المتتالية كان شغلها الشاغل وديدنها المدندن هو الدستور ونصوصه وأوامره ونواهيه، وهنا لا بد من تذكير من يستلزم تذكيره بالمخالفات والخطايا التي مارستها كل الحكومات الكويتية منذ صدور الدستور في 11/11/1962 .
أولا: المادة الأولى من الدستور لا تجيز التنازل عن سيادة الأرض أو التخلي عن أي جزء من أراضيها! انظروا واقرؤوا محاضر ترسيم الحدود مع الشمال والشرق॥ والجنوب! واسألوا السفير الرزوقي الذي أشرف على محاضر تحديد الحدود الشمالية!


ثانيا: المادة الثانية تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع، بما يعني وجود مصادر تشريع أخرى، ومع ذلك أنشأت الحكومة منذ أجل بعيد لجنة استكمال التشريعات القانونية التي اعتمدت اعتمادا مطلقا على المذاهب الأربعة دون مذهب الاثني عشرية، وألغت قواعد القانون المدني، ولاتزال حتى تاريخه تقوم بإعداد هذه القوانين।


ثالثا: المادة السابعة تنص على أن «العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع، والتعاون والتراحم صلة وثقى॥» أما العدل فانظروا إلى قانون التسليف والادخار، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وأما الحرية فانظروا إلى التنصت على الهواتف، ومقتل الميموني والرقابة على وسائل الاتصال الاجتماعي ومنع الفرح، والشروط الثلاثة عشر بشأن الحفلات، والرقابة على الكتب، أما المساواة فانظروا إلى قوانين الإسكان والتعامل مع البدون، بل مع أصحاب الجنسية الثانية قبل أن يصحح الوضع॥ «ولايزال في الفم ماء كثير!»।


رابعا: المادة التاسعة حول حماية الأسرة، انظروا إلى حالات التفكك الأسري وغياب وجود هيئة للمرأة والطفل، وقوانين وزارة الشؤون، وأحكام المحاكم التي تمتلئ بها ملفاتها॥ ولا تعليق!


خامسا: المادة الحادية عشرة بشأن كفالة الدولة للمواطنين في حال الشيخوخة والمرض والعجز عن العمل، فبخلاف راتب التقاعد ليست هناك مستشفيات خاصة لهم، أو معاملة خاصة في دوائر الدولة، أو حتى الرعاية الصحية الكافية إلا من خلال واسطات النواب.

سادسا: المواد الثانية والثالثة والرابعة عشرة المتعلقة بصيانة الدولة للتراث الإنساني والإسلامي والعربي، وحتى الآن ليس لدينا متحف أو مسرح أو دار أوبرا، بل منعت إقامة النصب التذكارية والتماثيل حتى لرموز البلاد، وغابت الموسيقى وغيب الفن والمسرح والثقافة.

سابعا: المادة الخامسة عشرة بشأن العناية الصحية، فقط انظروا إلى مستشفى جابر، واحسبوا كم مستشفى أنشأت الكويت منذ العام 1985؟


ثامنا: المادتان السادسة والسابعة عشرة بشأن الأموال العامة والملكية والوظيفة الاجتماعية للمال، انظروا كيف بعثرت الحكومات وخاصة الأخيرة منها أموال الكويت، ووزعتها لتخريب وإفساد متعمد لفئات عديدة من المواطنين كمشرعين ومراقبين وموظفين وعاملين، ولن تكفي صفحات الجريدة لذكرها।


تاسعا: لن أستطيع الاستمرار، فمساحة المقالة محدودة، وأكتفي بهذا الجزء، مع ذكر جزئية مهمة وردت في المادة التاسعة والعشرين التي تنص على أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين .

»। ونلاحظ أن المشرع استخدم لفظة «الناس» وليس المواطنين، وهذا يشمل البدون والوافدين، فهم سواسية في الكرامة الإنسانية والحقوق، فانظروا ماذا يحدث للبدون أو الوافدين؟ واقرؤوا معي تقارير منظمات حقوق الإنسان العالمية، ودع عنك حقوق الإنسان الكويتية التي فقدت مخالبها وأسنانها، ثم انظروا إلى رفض وزارة العدل تعيين إناث في منصب وكيل نيابة، خوفا من أن تصل المرأة إلى سلك القضاء، وهو أمر تقديري للحكومة وفق أحكام القضاء، ثم انظروا إلى قانون الجنسية الذي حرم غير المسلم من الحصول عليها، في تفرقة واضحة ومخالفة صريحة ساهمت فيها الحكومة بالسكوت عنها.


وهل نقول أكثر؟ أم إننا يجب أن نخاطب الدستور في عيده الخمسين، معتذرين لواضعيه وبُناته ومؤسسيه، ونذرف الدمع بما يوازي مداد حروفه حول نصوص اختزلت معانيها، وأضاعت بريقها حكومات لم تقبل بالدستور أبدا إلا كأيقونة تعلق للزينة والتفاخر بها دوليا، رغم تفريغ أغلب مواده من مضمونها.

ويا أيها الدستور.. عذرا لك في يوم ذكراك.

صلاح الهاشم salhashem@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق