الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

وشهد شاهد من أهلها.. التاريخ .. حين يكتب - بقلم عبدالله بشارة

جميل أن نقرأ لأشخاص كانوا مطلعين على أحداث مصيرية عديدة بحكم الحظ أو القدر أو الثقة الممنوحة لهم، ويكون أجمل أن تمتزج إحدى تلك اللحظات مع كفاءة تملأ المكان وتستوعب الحدث، وتحلل بناء على ما رأت وعايشت لا على ما يفرض عليها كواجب من رد الجميل، ومع ذلك أنا من المتابعين لما يكتبه السيد عبدالله بشارة -رئيس المكتب الدبلوماسي للدراسات- وهي الصفة التي يذيل بها مقالاته في جريدة الوطن، ورغم أن تاريخه السياسي حافل بالتنقل الدبلوماسي من سفير إلى ممثل الكويت في الأمم المتحدة إلى أمين عام مجلس التعاون الخليجي لفترات طويلة بدءا من نشأته كفكرة خلاقة من المرحوم الشيخ جابر الأحمد، إلا أنه اختار هذا المسمى لكي تكون كل كتاباته تحت هذه المظلة، وهو حق له لا ينازعه فيه أحد.
- وبعد قراءتي المتعمقة وبتمعن في مقالته المعنونة «الطبطبائي.. على بوابة التاريخ» المنشورة في جريدة الوطن عدد رقم 7645/13199 بتاريخ 17 سبتمبر الماضي 2012، رأيت من باب تحفيز ذاكرة من يكتب ومن يقرأ الإدلاء ببعض الملاحظات على ما كتبه السيد بشارة، من باب إثراء الحوار وإغنائه، وأيضا لتسمية بعض ما غفل عنه في نقاطه العشر التي أوردها في مقالته وهي:

أولا: أورد السيد بشارة لفظة «النائب السابق» على النائب وليد الطبطبائي بعد ذكره، رغم أنه لايزال نائبا في مجلس 2009، وإن كان له موقف من ذلك.
ثانيا: وصف الأطروحات مهما كانت حدتها بأنها «لائحة فكاهية» قد لا تجعل من ينتقد أي موقف ما يتمتع بمصداقية في الرد عليه، فالفكاهة يرد عليها بفكاهة مثلها، وإذا كانت الجدية هي الرد، فإن الادعاء بفكاهة القول يكون «فكاهة لائحية» أخرى، نربأ بالسيد بشارة أن يمارسها.
ثالثا: يقول السيد بشارة «إن مساعي المعارضة في إدخال تفسيرات جوهرية على بنود الدستور.. تتطلب ضرورة الإجماع مع مؤازرة سمو الأمير..».
ولم يقل أحد بذلك، ويبدو أن السيد بشارة قد خلط بين لفظة «تفسيرات» ولفظة «تعديلات» دستورية، فالأولى متاحة لأي مجتهد حتى وإن كان.. دبلوماسيا سابقا، ولكن الثانية لا تتم إلا باتفاق مع صاحب السمو الأمير وأغلبية مجلس الأمة، وهو أمر مفصل في الدستور بشكل يغني عن ترديده.
رابعا: يخبرنا السيد بشارة أن الدعوة التي أطلقها النائب الطبطبائي وغالبية الأغلبية حول ضرورة تعيين رئيس منتخب برلمانيا، يقول السيد بشارة إنها دعوة إلى.. تخريب كامل لبوابة الاستقرار والاستمرار في دولة الكويت..».. ثم يضيف في خلط جانبه الصواب قائلا: «... وأعتقد بأن المزاج العام لأهل الكويت هو تأييد بقاء الاختيار لسمو الأمير دون تدخلات..».
وحتى أنصف السيد بشارة، رجعت إلى أرشيفي الخاص، وبحثت عن أية إشارة أو قول أو فعل صادر من أي أحد أو أية جهة تنازع سمو الأمير حقه في الاختيار، بل أجمع القوم، وهم لا يجتمعون على رأي واحد إلا نادرا – أجمعوا أن حق الاختيار هو حق مطلق لسمو الأمير، ويستطيع إن شاء الاختيار من داخل الأسرة أو من خارجها، وبالتالي فإن اقتراح اختيار رئيس وزراء منتخب ما هو إلا اقتراح ردده الرئيس أحمد السعدون في لقائه الأخير حين قال إنه سيطرح هذا الأمر على صاحب السمو الأمير في نطاق المشاورات الملزمة قبل تشكيل الحكومة القادمة، وبعد ذلك يأتي إلينا السيد بشارة ليصف من يقترح حلا يريح القيادة السياسية ويعطيها مجالا أكثر وأوسع في الاختيار، نجد السيد بشارة يردد وصفه لهذا الطرح بأنه» ..معاول هدم لهذه البوابة التاريخية تحت أية مسميات».
خامسا: يقول السيد بشارة عن مقومات الدولة الحديثة التي لا نمتلكها «لأن قواعد الكويت في حياتها الآن مستمدة من هوية قبلية وطائفية وفئوية ولم تتقبل حكم القانون وحده، ..والسلطة التنفيذية تسندها إدارة موظفين محايدين..» وهي -في رأيي - أصدق ما قاله السيد بشارة، ومع ذلك يبقى السؤال الأزلي، من يفترض به أن يتحمل مسؤولية بقاء دولة الكويت منذ أكثر من خمسين عاما وهي لاتزال ترزح تحت القبلية والطائفية والفئوية كما قلت؟ من الذي منع السلطة التنفيذية أن تستعين بالموظفين الأكفاء والمحايدين كما ذكرت؟ بل من الذي أهمل وتقاعس في دعم «.. قضاء متكامل في كفاءته وحياده ..» كما أوضحت؟
هل إجابتك تكون كما رددت: «بغياب المناخ الثقافي الذي يوفر المنابع التي تأتي بالجديد والحديث من الأفكار ومن التطورات وضرورة الانسجام معها؟»، ودعني أسألك حتى أعفيك من مشقة إحراج الجواب، أليس هذا دور النخب -السياسة والمثقفين وأنت أولهم؟ أليس هذا واجب وفرض عين على من شارك فعليا في قمم خليجية عديدة يكتب البيانات الختامية ويعرضها ويعدلها ويقرؤها ثم يحفظها في فايلات بوكس فاخرة دون حتى وضع آلية تنفيذ لها؟ ما دوركم أنتم حين تجلسون بعد ذلك في زمن تقاعدكم تصفون أقوال القوم وأفعالهم، وتمنعونهم حتى عن الحلم بما يرونه ممكنا؟
- إنها أسئلة قد لا نجد لها إجابة لديك يا سيد بشارة.
سادسا: أؤيدك تماما حين وصفت حالنا بأننا «.. في سنة أولى ديمقراطية، رغم مرور نصف قرن من العمل البرلماني الانتخابي»، ورغم أن الحسابات المرتبطة بالسياسة لديك قد اختلطت أوراقها، ففترة العمل البرلماني الحقيقي لم تتجاوز عشرين عاما مع التساهيل، ومع ذلك من الذي منع الحكومة من غرس وزراعة الفكر الديمقراطي الذي كان في ذلك الوقت وربما لايزال «بعبع» أنظمة خليجية وعربية تعتقد وتؤمن بأن الشعوب قاصرة وغير مؤهلة لقيادة أنفسها، ولا نستثني أحدا من ذلك حتى لو كان.. أمين عام سابقا لمجلس تعاون خليجي!
- ثم أخبرني هل قامت أي من الحكومات الكويتية بتدريس الدستور الكويتي في مدارس الكويت وجامعتها اليتيمة؟ هل تم غرس الشعور الوطني بالولاء والحرص على خدمة البلد؟ هل.. هل.. هل نعيد ما قلناه وما قاله غيرنا بأن هناك بعضا - ونقول بعضا - من أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت يعتبرون الدستور غلطة تاريخية يجب أن تصحح، فكيف يستقيم بغلطة تاريخية أن تساهم في تطوير فكر وتراث ديمقراطي يا سيد بشارة؟
سابعا: نعم أؤيدك تماما بقولك «.. إن الشعب الكويتي ملتزم بالنظام السياسي الحالي ومتمسك بهيكليته الحاضرة، ولا يقبل التعديلات على البنية الشرعية التي رافقت حياة الكويتيين منذ ثلاثة قرون.. إن النظام السياسي كما حدده الدستور يتمتع بدعم وثقة شعب الكويت الحريص على هويته، قاوم الفقر القديم ولم ينكسر أمام الغزو..».
ونقول لك شكرا لتذكيرنا بدور الشعب الكويتي أيام الفقر وقبل النفط، فقد كان الشعب يعطي من ماله الخاص لتسيير أمور الدولة والأسرة، ولم يجدوا في ذلك غضاضة، وحين فاض النفط وجد الشعب أن أرض الكويت وأهلها هم أولى بأموالهم، فانظر حولك وأخبرني - إن استطعت - أن تضعني في موقع المقارنة مع دول أعضاء معنا في مجلس التعاون ولن أقول أكثر، فقد سبقني الكثيرون، أما قولك بأن النظام السياسي لم ينكسر أمام الغزو، فمن الإنصاف أن نذكر وقفة الشعب الكويتي حين لم يظهر منه خائن واحد أو متعاون مع الاحتلال العراقي، بل إنه حتى حين قال الرئيس الفرنسي الأسبق «فرانسوا ميتران» إن الشعب الكويتي له الحق في تقرير مصيره بعد التحرير، «تداعى الشعب الكويتي في مؤتمر الطائف لا ليجدد بيعة أعطاها للأسرة، ولكنه أتى ليؤكد وجودها ويدافع عنها، وليس بعد ذلك البرهان برهان يا سيد بشارة.
-أما ما حدثت من ممارسات مالية وتجاوزات أثناء فترة الغزو ممن كان يفترض به الائتمان عليها، وتقرير تقصي لجنة الحقائق، وتقارير سير الاستثمارات الكويتية، فإنني أعلم يقينا بأنك تحتفظ بها في الملف الأزرق الكبير خلف مكتبك!
ثامنا: سوف آتي إلى الختام بسرد بعض الملاحظات، وقد أعجبتني الفقرة سادسا في مقالك وهي في رأيي «بيت القصي «، أو «بيضة القبان» أو الزبدة كما نبسطها في الحديث، فحين تقول وتؤكد وأنت من أنت.
«.. بكل صراحة، يفتقر النظام إلى كفاءات من داخل عضويته قادرة على تحمل المسؤوليات، وعلى إظهار القيادة في الجرأة وعلى اتخاذ القرار الثقيل، وفي القدرة على التحدث إلى الرأي العام والتجاوب مع متطلباته ومحاورته، ونيل ثقة الناس ليس في الاسترضائيات والخدميات وإنما بالمقدرة وحسن التصرف ونظافة الذمة والشفافية».
ثم تضيف في شهادة نادرة وصادقة تخالف كل ما كتبته:
«... ويجب ألا نخلط بين الالتزام بالمحافظة على الكويت وحريتها وهو ما يريده الجميع، وبين تقبل النقد الصادق الموجه للعاجزين من أبناء النظام، فالمسؤولية في إدارة الدولة للقادرين فقط من أهل النظام ومن خارجه، ونزيل من الأذهان بأن المسؤوليات في قيادة الدولة هي منحة تقدم لأبناء النظام مع الإصرار على أنها تكليف لأصحاب الكفاءة والقدرة وحدهم».
وبهذه الشهادة التي نطقت بها لا أملك إلا أن أحييك عليها، وأتمنى أن تكون قد أوصلتها إلى من بيده الأمر وذلك في مقدورك واستطاعتك وواجبك.
ونكتفي بما قلناه ولو أن في الفم ماء كثير، وقد أثار اهتمامي فقط ما أورده السيد بشارة من نصحه لبعض المعارضة من ضرورة التوقف عن: «.. الاتهامات التي توجه إلى الناس دون سند، وعن هوامير المناقصات وحيتان الأراضي وسراق الجواخير ومهربي النفط.. وتشويه النوايا وتدمير الذمة..».
- لن أعلق ولكنني أسأل السيد بشارة، رغم كل الاتهامات والفضائح والأحاديث والتجاوزات المالية - حتى لا أسميها سرقات، في كل مؤسسات الدولة، في كل هذا الصخب والزخم، هل قبض على حرامي واحد أو متجاوز لسلطته أو مسؤول أبعد عن وظيفته أو آخر حكم عليه جنائيا؟
- أسألك هذا السؤال وأنا أعلم أنك تملك إجابة تجعلك تكتب مجلدات.. ومجلدات.. وثق يا سيد بشارة بأنني سأسعد وغيري بأن نقرأ ما لم تقله لنا في تاريخك السياسي ورؤيتك التي نحترمها لولا المجاملات التي ليس لها محل الآن.

salhashem@yahoo.com صلاح الهاشم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق