الاثنين، 6 مايو، 2013

التلميذ النجيب لا ينتهي يا علي ..

الأستاذ المحامي صلاح الهاشم.. لا يعرف أن ذاكرتي محطة سريعة الاشتعال.. قابلة للانفجار، عند أول شرارة كلمة تلامسها.

 وهذا ما أحدثه مقاله «انتهى الدرس يا تلميذ».. في جريدة الكويتية، 29 أبريل 2013، كتب في بدايته: «أثناء دراستي في كلية الحقوق بالكويت كنت أزاول مهنة التدريس للمرحلة الابتدائية، لكوني أحمل شهادة معهد المعلمين - تخصص لغة عربية وشريعة إسلامية، وكنت أبدأ محاضراتي في الثامنة صباحا في الشويخ حتى الواحدة ظهرا، ثم أذهب إلى المدرسة (الدوام الثاني) في جليب الشيوخ، حيث مدن الصفيح وتدريس فئة البدون من الثانية عصرا وحتى السادسة مساء، ومازلت أستذكر الكثير من الطلبة النجباء في ذلك الوقت، منهم الزميل الإعلامي الشاعر علي المسعودي»..
 وقد حدث أن عصفت بي ريح المقال، فحملتني إلى أواخر السبعينيات..

 إلى طفل يخرج من مدن الصفيح (منطقة عبدالله المبارك حاليا)، ويمشي عشرة كيلومترات أو أكثر، حيث مدرسة نعيم بن مسعود الابتدائية في أطراف جليب الشيوخ.
 هناك التقى أستاذا قادما من عالم الأسمنت، لكن الإنسان في رجل الأسمنت، والإنسان في طفل الصفيح استعصيا على الماديات.
 كان التلميذ هو أنا، وكان الأستاذ هو المحامي صلاح الهاشم..
 ذلك الفتى بهي الحضور، أنيق المظهر، يأتي يوما بدشداشة.. ويأتي في يوم آخر ببدلة افرنجية!
 مازلت حتى اليوم أستفيد من درسه، عن طريقة رسم الهمزة المتوسطة.. كانت فكرة شرح مذهلة.
 رسم على السبورة - أيام الطباشير الملون - حلبة مصارعة، وقال إن أربع حركات تبارت في هذه الحلبة للفوز بالهمزة.. هي: الضمة والكسرة والفتحة والسكون.
 وبطريقة تمثيلية مشوقة، وبأسلوب قص ممتع، فازت حركة الكسر على الجميع، فيما كانت السكون المهزوم الأكبر.
 منذ ذلك الدرس، يندر أن أخطئ في طريقة كتابة الهمزة المتوسطة.
 وبعد أن ينتهي من الشرح، يختارني غالبا لأقرأ الدرس، وهو يقول: «يا الله علاوي.. اقرأ».. وبذلك، يكون نصف وقت الحصة قد انتهى.
 أما نصف الحصة الآخر، فيشرح لنا فيه الحياة.
 كنا ننظر إليه بانبهار، فهو رجل قادم من مناطق الكهرباء.. نحن أبناء فوانيس الليل.. منه عرفنا ماذا تعني دراسة جامعية.
 يخبرنا عن بعض شؤونه، عن زميلاته في الجامعة، عن نخلة زرعها في البيت منذ خمس سنوات.. يشير إلينا عن طولها، فيرفع يده بما يوازي قاماتنا آنئذ.
 أذكر أنه غنى لنا أغنية جميلة، فيها قصة لم يسعه وقت الحصة لإكمالها.
 ومن طرائفه، أنه أخذ يؤنب أحد الطلبة الكسالى، لأنه لم يحفظ القصيدة المقررة: «ما رضاء الله إلا في رضاء الوالدين.. ما جمال الكون إلا بحنان الأبوين».. وبينما هو كذلك، وضع الأستاذ صلاح يده على رأس التلميذ، ثم توقف عن التأنيب فجأة، وسأله: أنت تغسل شعرك؟
 قال التلميذ: طبعا أستاذ.
 قال الأستاذ صلاح: بماذا تغسله؟
 فأجاب التلميذ: بـ «تايد»!
 انفجر الأستاذ صلاح بضحك.. ممتع!
 وشاركه الطلبة في الضحك..
 كان الأستاذ صلاح يضحك مستغربا من ولد يغسل شعره بـ «التايد» وليس بـ «الشامبو»، وكان الطلبة يضحكون، لأنهم لا يعرفون ما هو «الشامبو»!
 وفي يوم كانت حصة اللغة العربية هي الحصة الثالثة، كان الأستاذ صلاح منزعجا عصبيا.. على غير عادته..
 لم يتحمل من أحد الطلاب حديثا هامسا مع زميله..
 صرخ فينا أن نسكت جميعا، فصمتنا..
 دقائق، فإذا به يسقط مغشيا عليه.. هالنا المنظر، واحترنا، حتى حضر الأساتذة من الإدارة وحملوه خارج الصف.
 عندها عرفنا كم كنا نحب الأستاذ صلاح، وكم نحمل له مودة خاصة.
 ولم نشعر بالراحة، إلا عندما رأيناه يبادلنا التحايا والابتسام في الساحة أثناء الفرصة.
 كان العام الدراسي يوشك على نهايته، حيث ذهب عنا الأستاذ صلاح ولم يعد، وحيث ذهبت إلى بيتنا، فوجدت جرافة البلدية قد ساوته بالأرض، لأن الدولة قررت أن تنهي مشكلة مدن الصفيح.
 ولم يشعر موظفو البلدية، وهم يجرفون البيت، أن الطفل هو الذي كان يتهدم.
علي المسعودي



الــــرقيـــــــــــــب :      
التلميذ النجيب لا ينتهي يا علي..

 كم سررت حين قرأ ما كتبه تلميذي النجيب علي المسعودي، ردا على ما كتبته قبل فترة، وسعادتي وسروري منشأهما، أننا لا نعلم كم من المبدعين والرائعين حولنا، حتى تفرقنا أسباب الحياة، فقط لينظر كل منا حوله.. فهناك الكثير منهم.. ومنهن.. وشكرا يا تلميذي النجيب على ما كتبت وذكرتني به، بعد أن غزا الشيب كل المفرق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق