الأربعاء، 26 مارس، 2008

علمانيـــــة الدولــــــة الـدينيــــــة ..

قد يبدو العنوان غريبا" ، و لكنه حقيقة واقعة في تركيا ، فمؤسسها كمال أتاتورك حرص على علمانية دولته التي بنيت على إنقاض الخلافة العثمانية التي امتدت لأكثر من أربعمائة سنة ، و رغم وصول حزب التنمية و العدالة إلي سده الحكم الحالي في تركيا و محاولته البطيئة إعادة الصورة الدينية - و لا أقول الإسلامية – إلي الواجهة ، إلا أنه يبدو أن الدولة المدنية و مؤسسات الدولة التي اعتنقت العلمانية عنونا" لها و أهمها مؤسسة الجيش القوية هذه المؤسسات لازالت تقف بالمرصاد لأي محاولة لهدم هذا الجدار القوي ، و الدعوى التي قدمها النائب العام التركي في موقف واضح لإستقلالية السلطة القضائية و النيابة العامة التركية ضد الحزب الحاكم يطلب فيها من المحكمة الدستورية التركية إلغاء و حجب نشاط حزب التنمية و هو – الحزب الحاكم – لأنه قد صدرت من هذا الحزب بصفته القيادية للدولة بعض الإشارات التي تنبئ عن التراجع عن الأصول و القواعد العلمانية للدولة و من أبرزها تساهله في قضية الحجاب في الجامعات التركية ، قضية مثيرة للجدل ، و جديدة على عقولنا العربية إذ كيف تبادر مؤسسة حكومية بمقاضاة رئيس الدولة و رئيس الحكومة ؟ و هي ُسنة حسنة و سابقة متميزة نتمنى أن نراها في دولنا ، فالإيمان بالمبدأ سواء كان دينيا" أو علمانيا" هو ما يتعين على مؤسسات الدولة أن تدافع عنه بغض النظر عن رأي الحاكم أو السلطة الحاكمة ، فهناك ميثاق و عهد و إتفاق ، و أي إخلال من أي طرف بهذا الميثاق يفقد الطرف المتراجع شرعيته ، و هذا بالضبط ما حرص النائب العام التركي على تذكير السلطة الحاكمة فيه ، و من الجميل أن السلطة الحاكمة ارتضت اللجوء إلي السلطة القضائية للإحتكام و هو تصرف حضاري يزيد من منعه و استقلالية السلطة القضائية و يرسخها كسلطة أساسية و مستقلة يقوم عليها نظام الحكم ، التجربة التركية في الشكوى ضد الرئيس و رئيس وزرائه لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها شأن تركي خالص ، فتركيا تعمل جاهدة لتبييض صحائفها أمام الإتحاد الأوربي حتى يدخلها تحت مظلته ، و لكن ما المانع من الإقتداء بقواعد متحضرة و عصرية إذا كان العالم بأكمله يرفض الحكم الدكتاتوري و أن تغلف بصورة أو أخرى ، تساءلت حين قرأت هذا الخبر ، لماذا لا يكون هناك ميثاق أو حد أدنى من القواعد تجمع عليها دول مجلس التعاون الخليجي و تعتبر بمثابة صمام أمان لعوب هذه المنطقة و ثرواتها ؟ فالمستقبل دوما" للشعوب ، و ما السلطة – أي سلطة – إلا راعية لمصالح هذه الشعوب وفق قواعد و أسس دولية لا مجال للعبث فيها من أين كان ؟ ترى لماذا لا تبادر الكويت إلي طرح هذا الميثاق في الإجتماع القادم لمجلس التعاون الخليجي ؟

صلاح الهاشم salhashem@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق